محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
302
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الثالثة على الناس ، ثم أنشأ يقول : يا كعبة الخلد قفي ثم اسمعي * مالك قاتلنا فكفّي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي * لا تطمعي ، لا تطمعي ، لا تطمعي فقاتل حتى قتل ، رحمه اللّه تعالى . ولأجل ما ذكرناه من اقتضاء مقام المحبّة بذل كلية البذل من المحبّ لزم وقوع الابتلاآت والمطالبات به حتى يحصل له توفية حقوق هذا المقام على التمام ؛ ولهذا قال بعضهم : « أوّل ما يقول اللّه عز وجل للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ، فإن قال : لا ما أريد إلّا أنت ، قال له : من دخل معي في هذا إنما يدخل بإسقاط الحظوظ ، ورفع الحدوث ، وثبوت القدم ، وذلك يوجب له العدم . وقال بعض العلماء : « إذا رأيتك تحبّه ، ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك » . وقال بعض المريدين لأستاذه : طولعت بشيء من المحبّة ، فقال له : « يا بنيّ ، هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرته عليه ؟ ! فقال : لا . قال : لا تطمع نفسك في المحبة ؛ فإنه لا يعطيها أحدا حتى يبلوه » . وقال بعض علمائنا ، رضي اللّه عنهم : « كل أهل المقامات يرجون أن يعفو عنهم ، ويسمح لهم ، إلا من ادعى المعرفة والمحبة ؛ فإنهم يطلبون بكل شعرة مطالبة ، وفي كل حركة وسكون ونظرة وخطوة للّه ، ومع اللّه » . وقال إبراهيم بن أدهم ، رضي اللّه تعالى عنه ، وكان له مقامات في المحبة رفيعة : « قلت ذات يوم : يا رب ، إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ؛ فقد أضرّ بي القلق . قال : فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه فقال : يا إبراهيم ، أما استحييت مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي ، وهل يسكن المشتاق دون لقاء حبيبه ، أم هل يستريح المحب إلى غير معشوقه ، قال : فقلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول ، فقال : قل اللهم رضّني بقضائك ، وصبّرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك » انتهى . فللمحبين دقائق خطرات ، ولطائف ملاحظات يظهر لهم بذلك الشوق في صفاء حبهم ، والبعد في مواطن قربهم ، فهم يفرّون منها ، ويخرجون عنها مخافة أن تسترقّ بشيء من ذلك قلوبهم بأدنى ميل أو مساكنة ، فموجب لهم ذلك السقوط من مقامهم الرفيع الذي أهلّ لهم وأهلّوا له ؛ ولذلك قال محمد بن سهل بن عبد اللّه ، رضي اللّه عنه : « جناية المحب عند اللّه تعالى أشدّ من معصية العامي » وهو أن يسكن إلى غير اللّه ، أو يستأنس بسواه .